الاثنين، كانون الثاني 22، 2007

قل لي كيف ترى الدنيا

لا أزعم أني أملك أدوات النقد الفني التي تمكنني من أن أحكم على المستوى الحرفي للفيلم،
بدءاً بالسيناريو وتقطيعات المشاهد، مروراً بأداء الممثلين وصولاً للإخراج ، إلا أني وجدت
أن هذا الفيلم زاخر بما هو أبعد من مجرد جرأة مشاهد أو سبر وثائقي لمجتمع مكبوت أو
طرح لقضية صادمة كمسألة الختان، فقد رأيت فيه فيلماً رمزياً إلى أبعد الحدود. تسمية بطلة الفيلم بدنيا لم يرد عبثاً، بل هي دنيا بحق، وهؤلاء روادها: الفيلسوف الذي يريد الحصول على لذاتها من خلال العقل والقلب وهاهي في النهاية تستجيب
له بالعقل والقلب وتهبه متعتها، هذا العاشق الصوفي الذي ينهل من ينابيع ابن عربي والحلاج،
ويعيد خلق الضوء لأجمل ما يخلق الضوء لأجله.، يعلّم الدنيا ويتعلم منها في المقابل، هناك الشخص العادي، العملي، الذي يريد الدنيا مطفأة لحرائق رغباته وها هي تطفئ
رغباته جسداً بلا روح، فتصل معه في النتيجة إلى أسوأ ما يكون إطفاء الرغبات، ولو تم ذلك عبر
الزواج، الصيغة الأكثر قبولا، لا بل ربما الصيغة الوحيدة المقبولة في مجتمع عربي، للقاء جنسي: بين الاثنين، وعلى بعد من هذه الدنيا، بلا تعريف ولا هوية - ولا جنس ربما - ترى ذلك الراقص
مع دوران الأفلاك، ثورته هي صدى قلقه الذي يمنعه عن التوقف، يريد أن يعلّم الدنيا وأن يسيّرها
فتفلت منه، تتعلم منه ولا تعلمه من المفاجآت الجميلة التي حملها الفيلم مشاهده الجنسية، البعيدة كل البعد عن الإباحية المجانية،
والبعيدة أيضاً كل البعد عن البراءة والسذاجة والتقية الكاذبة.. هي تركيبة نادرة الحدوث، ومعقدة
إلى أبعد الحدود. فيلم دنيا، مشروع كبير ربما أثقلته طموحات العاملين عليه، ولكن المؤلم الذي رأيناه ونراه هو أن
تعمل سطحية التلقي على الإجهاز عليه في مهده ، أمر بات شبه مؤكد في مجتمع عربي يدوس
أشياءه الجميلة، بما فيها تراثه الرائع.
المرعب هو أن هذا الدوس المنظم يتسلح بالسلفية، فيما حقيقة الأمر أن السلف إذا حدث ونظر من
عليائه إلى هذا الكائن المتهالك فإنما بعين الشفقة لا أكثر