الثلاثاء، نيسان 12، 2005

خربشات على دفتر الغربة

من المسائل التي تؤرقني هذه الأيام هي هذه الازدواجية التي بدأت ألمسها في حياتي، بين جذوري وفروعي، بين أصولي وحاضري، بين انتمائي بحكم المولد، وحقيقتي الواقعة. الازدواجية عندي هي مرادف النفاق، وكوني أكره النفاق وأدعي أنني شديد البعد عنه، كان لا بد لي أن أبحث عن مصدر هذه الازدواجية؟ المغترب، أي مغترب، يعيش بلا شك ازدواجية ما. تختلف هذه الازدواجية من شخص لآخر، ومن مجتمع لآخر، بحسب طبيعة الشخص نفسه، وطبيعة البلد الذي هاجر إليه. لو نظرنا إلى العرب المهاجرين إلى استراليا والولايات المتحدة لوجدنا أنهم عامة يتمسكون بأصولهم العربية، والعربي المهاجر إلى تلك البلاد يستطيع أن يصل بسرعة أكبر إلى معاهد وجمعيات تحاول مساعدته والأخذ بيده، بينما لا أجد هذا ولن أجده يوماً ما هنا في البرازيل، فالجمعيات هنا رمزية، ولا يأخذها أحد على محمل الجد. إلا أن لهذه الظاهرة وجهاً آخر مؤلم، وهو أن تلك البلدان بالذات (أقصد الولايات المتحدة واستراليا)، وبما أظهره سكانها من مقاومة في تقبل الوافدين من بلدان العرب، دفعت بهؤلاء العرب إلى سلوك هذا النهج، والالتفاف فيما بينهم للحصول على الحماية المطلوبة والقدرة على الإقلاع في رحلة الكفاح والعمل. على العكس من ذلك، ففي بلد كالبرازيل، لا تجد هذه الدوافع، فالتعالي على الجنسيات الأخرى معدوم، بل أنك قد تجد على العكس تماماً، نوعاً من الشعور بالنقص إزاء من يتكلم لغة أخرى أو لكنة غريبة. أذكر أنني في أحد الأيام اتصلت بصديق لي في فرنسا على هاتفه المحمول، وطبعاً بادرت إلى مكالمته بالعربية، إلا أنه فاجأني بأن أخذ يخاطبني باللغة الفرنسية، وشرح لي أنه الآن في اجتماع عمل، وأنه سيخاطبني من البيت بعد ساعة. كما قلت، استغربت تصرفه، ولكنني طبعاً أدركت بسرعة أن حديثه بالفرنسية في ذلك الموضع كان حرصاً منه على مشاعر وفضول من يشاركونه اجتماع العمل، هذا النوع من الحرص يختلف في أوروبا عنه في بلاد أخرى، وأذكر أن أحد السويديين - ممن عملوا لبعض الوقت معي في نفس الشركة - صارحني مرة أنه يستهجن قيام البعض هنا بالتحدث بالبرتغالية في وجوده، وأن مثل هذا التصرف في أوروبا قد يكلف المرء عمله!! أعترف أن ما يجول في خاطري، وأرغب في وضعه في هذا الموضوع، لا يمكن تحديده بفكرة واحدة، إلا أن ما دفعني الآن إلى الكتابة هو سبب محدد: علاقتي مع مدن أرعبتني منذ فترة قصيرة فكرة أن حياتي تسير بي نحو عالم افتراضي لا علاقة له إطلاقاً بواقعي اليومي، هذا الواقع اليومي الذي يتطلب مني تفاعلاً دائماً وحضوراً تاماً، في عملي وتعاملاتي، وقبل كل شيء: أسرتي. أرعبتني فكرة أن سعادتي الصغيرة التي ألهث وراءها خلال نهاري هي في عالم افتراضي لم أكن لأرضى به، أو لأغرق فيه لو لم يحمل لي ما فقدته في الحقيقة: لساني ولغتي وذكرياتي، وقبل كل شيء: أمنياتي وأحلامي التي تركتها تموت حصرماً على عناقيدها اليائسة. أرعبتني فكرة أن جل من أسعى للقائهم والتحدث معهم، وأنشد عندهم دواء جراحي اليومية، هم أشخاص افتراضيون، لو أنني التقيت بهم أيام كنت في دمشق، لأعرضوا عني، ولأعرضت عنهم، ولربما في أفضل الأحوال إن تعارفنا ما كنا وجدنا حديثاً واحداً مشتركاً. في العالم الافتراضي، كل الاشعار جميلة، كل الأفكار خلاقة، كل النجاحات الصغيرة منجزات خرافية.. لكن العالم الحقيقي أقسى وأشد رتابة ومللاً. هذه الأيام، أشعر فعلاً أنني مهاجر أكثر من أي وقت مضى، والسبب هو أنني عدت عبر هذا العالم الافتراضي الملعون إلى عالم فررت منه هائماً على وجهي، عالم كم أرهقني ووضع فوق كتفيّ أحمالاً من أخطاء مصيرية ارتكبتها مخيّراً أم مسيّراً، عدت بعد أن كنت قد بدأت أجني ثمار مشواري الجديد، مشواري الذي ضمن لي حلماً طالما داعب مخيلتي: نقطة صفر جديدة لا يؤرقني كثيراً شأن عدم تعلم أولادي للغة العربية، مع أنه يحز في نفسي ألا يقرؤوا ويفهموا ما كتبته لهم وعنهم.. أن يحادثوا أهلي وأخوتي، ويرووا فضولهم لمعرفة الأرض التي شهدت مولدي وطفولتي وشبابي. لا يؤرقني هذا الأمر، وتبريري الجاهز هو أنني حصرت اهتمامي في أن يتلقوا تربية وتعليماً حقيقياً أولاً.. أن يمارسوا حياتهم بطبيعية، وأن أستكشف معهم - دون أي قسر - ميولهم وتطلعاتهم.. كل هذه الاهتمامات لا تتطلب تعلم اللغة العربية التي لا يربطهم بها سواي.. أشعر بالأنانية إن أسرفت في هذا الأمر!! لا أريد أن يفهم كلامي أني نادم على الغربة، فهي كانت ضرورة وجودي، وفيها استعدت احترام ذاتي، وحققت جزءا لا بأس به من طموحاتي، الا أنها في النهاية تجربة انسانية أحب أن أشارك بها آخرين، لأستفيد ويستفيدون، وهذا هو غرضي من الكتابة هنا، ومن أي تواصل أقوم به من أي نوع.

هناك 5 تعليقات:

أحمد يقول...

لا تتصور سعادتى باكتشاف مدونتك

Gabby Maghzal يقول...

أنا أيضاً أعيش في بلد مقرف.. واسمه الإمارات العربية، أشتاق، ولا أعرف أن أعود.. قرائتي لما كتبت أعطني بعض العزاء.. فهناك غيري من يعيش في منتديات افتراضية فقط، تذكره بحياته الماضية... تحية

From East to West يقول...

I feel that I related a lot to what you said, never regretted the design for immigrating to another country. As you said it was a necessity to fulfill whom I wanted to be and how I wanted my kids to be. One of the things that I very much related to is how it is hard to put too many stress on teaching your kids your mother tongue language, it wouldn't be fair for the child who doesn't know anything about it except you being a good speaker for it [form his or her stand point] still it feels hard for the parent who can't share some of the things they want to share with there kids that's can't be translated [specially if you are a poetry lover like me]..it is hard but what I always tell myself …impossible to win them all!!

Heimatlos يقول...

ليست إزدواجية بقدر ما هي تناقضية لأنها الصراع الداخلي في ذاتك بين ثقافتين مختلفتين بين وطنين .... فثقافتك و وطنك الأم لم يعودا لك و لن تستطيع القول هذه ثقافتي لتغيرك الشديد بالنسبة إلى الثقافة الحالية التي تسود في وطنك الأصلي و كذلك لن تستطيع ثقافتك الجديدة أن تكون بديلا عن ثقافتك الأصلية و النتيجة: أنك تقف على الحدود بين الثقافتين ، تمتلكهما و تريدهما معا و هذا ما لن تستطيع عمله. أنت تعرف أنك غريب في وطنك الأم و أنك غريب في وطنك الحالي. أنت تنتمي إلى وطنين و لكنك و في الوقت ذاته لا تنتمي إلى أي وطن .... أنت غريب في كل مكان.
ثم:
إذا لم تعلم أبناءك العربية في صغرهم فسيصعب عليهم تعلمها في الكبر و يوما ما سيأتيك السؤال منهم. لماذا لم تعلمنا العربية في الصغر؟؟؟؟؟؟؟؟

غير معرف يقول...

You have an outstanding good and well structured site. I enjoyed browsing through it »